محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : أولئك ثمود ، يعني قوله : فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ يقول تعالى ذكره : ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين . وقوله : ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها يقول : ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الأجل الذي أجلنا لهلاكها ، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي أجلنا لهلاكها والوقت الذي وقتنا لفنائها ؛ ولكنها تهلك لمجيئه . وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله ، ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم فيحل بهم نقمته ، كسنته فيمن قبلهم من الأمم السالفة . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا . . . كَذَّبُوهُ يقول تعالى ذكره : ثُمَّ أَرْسَلْنا إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود رُسُلَنا تَتْرا يعني : يتبع بعضها بعضا ، وبعضها في أثر بعض . وهي من المواترة ، وهي اسم لجمع مثل " شيء " ، لا يقال : جاءني فلان تترى ، كمالا يقال : جاءني فلان مواترة ، وهي تنون ولا تنون ، وفيها الياء ، فمن لم ينونها فعلى من وترت ، ومن قال " تترا " يوهم أن الياء أصلية كما قيل : معزى بالياء ، ومعزا وبهمي بهما ونحو ذلك ، فأجريت أحيانا وترك إجراؤها أحيانا ، فمن جعلها " فعلى " وقف عليها ، أشار إلى الكسر ، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر ، لأن ألف الإعراب لا تكسر ، لا يقال : رأيت زيدا ، فيشار فيه إلى الكسر . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا يقول : يتبع بعضها بعضا . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا يقول : بعضها على أثر بعض . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى . وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : تَتْرا قال : اتباع بعضها بعضا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا قال : يتبع بعضها بعضا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ، ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا قال : بعضهم على أثر بعض ، يتبع بعضهم بعضا . واختلفت قراء الأمصار في قراءة ذلك ، فقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة وبعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة : " تترى " بالتنوين . وكان بعض أهل مكة وبعض أهل المدينة وعامة قراء الكوفة يقرءونه : تَتْرا بإرسال الياء على مثال " فعلى " . والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان معروفتان في كلام العرب